ليه مش مفروض تثق في ذاكرتك



تخيل لو جبت جهاز كمبيوتر وحاولت تخزن عليه معلومات وتحفظها وجيت تشوفها بعد فترة لاقيتها اتغيرت ! ولاقيت الكمبيوتر بيتلاعب بيها ومش بس كده ده كمان بيمسح اللي مش عاجبه منها وبيخلي اللي هو عايزه بس ! طبعاً هتمسك الكمبيوتر ده وترميه في الزبالة ، فتخيل ان جهاز الكمبيوتر الخربان ده هو ذاكرتك ودماغك وأنه المعلومات اللي بتحفظها عليه دي هي الاحداث اللي بتحصلك كل يوم في حياتك ! فأنت مش هتقدر ترمي دماغك لأ ده انت مضطر تتعايش معاها حياتك كلها ومضطر تتعامل مع تلاعب دماغك في ذكرياتك ده ، فعشان كده اول حاجة لازم تعرفها ان دماغك وذاكرتك غير الكمبيوتر تماماً .
الأول خلينا نعرف إزاي بنخزن الذكريات اصلا وايه الفرق بين الذاكرة قصيرة المدي والذاكرة طويلة المدي ؟
مخنا علي مدار اليوم بيتعرض لكمية معلومات كبيرة حتي واحنا نايمين وفي ظل الزحمة دي كلها مينفعش ياخد كل المعلومات دي كده ويخزنها ، دي حاجة تفوق قدرته فلذلك خُلقت الذاكرة قصيرة المدي اللي هي بنتعامل بيها في اغلب مهامنا زي انك تعمل كوباية شاي او تفتح الباب مثلا او تنقل رقم من حد واللي اكيد بعدها بدقيقة مش هتفتكره لانه للاسف الذاكرة قصيرة المدي محدودة جداً وعندها حد اقصي للمعلومات اللي تقدر تخزنها واي حاجة تانية بتتمسح وبيتم تجاهلها ، ولكن لو ذاكرتنا كلها قصيرة المدي كده مكانش حد عرف يعيش ولا ينجز حاجة ولذلك خُلقت الذاكرة طويلة المدي اللي بيتخزن فيها المعلومات المهمة فعلا اللي هتفيدنا علي المدي الطويل زي خبراتك ودراستك وتجاربك واسمك واسامي العايلة والناس اللي بتحبها وغيرها كتير من الحاجات المهمة ، وده كله بيحصل عن طريق نقل المعلومات اللي بنتعرضلها عن طريق الإشارات العصبية من الحواس للمخ واللي بيقوم بدوره في فلترة وتخزين المعلومات .
طب ما مخنا ماشي كويس لحد دلوقتي ايه اللي بيخلينا نقول عنه انه لا يُثق فيه ؟ لأنه مش بيخزن الذكريات ويسيبها علي حالها زي ما حصلت لأ ده كل فترة بيعدل فيها ويضيف ليها او يشيل منها احداث عشان يناسب الاحداث اللي بتحصل في حياتك والفترة اللي بتمر بيها والغريب ان دي طريقة لحمايتك ولحماية ال ego بتاعك ! مثال :- لو مثلاً مريت بتجربة حب وفشلت هتلاقي انه بعد فترة ممكن مخك يبينلك انه انت كنت مضحي والشخص التاني كان سئ ومستغل وانه الاحسن انكو بعدتو عن بعض فعلاً ” حتي لو الواقع كان غير كده ” ومش بعيد تلاقيه مغير في احداث او مزود في درامتها بحيث يثبت انك صح فعلاً ! كمان مخك بيخليك تفتكر نفسك مؤثر في احداث ومناقشات اكتر ما انت فعلاً كنت مؤثر وطبعا كمية التعديل في الاحداث لصالح الإنسان بتزيد في الناس المغرورة او النرجسية اللي دايماً حاسين أنهم مؤثرين ودايما رأيهم هو الصح ، المخيف انه ذكرياتنا بتتعدل بشكل لاواعي مننا ومش هنقدر ندرك حتي ده غير لما نتكلم مع حد تاني شاف الحدث او الذكري دي مثلاً . من ضمن الامثلة الواضحة علي عدم حيادية الذاكرة هو ما يُعرف بال choice supportive bias وده بيحصل كتير جدا في حياتنا لو مثلاً اتناقشت مع حد اضطر يختار ما بين قررات مصيرية هتلاقيه غالباً بيعظم في قراره اللي خده ويشرحلك اد ايه هو شاكر انه مختارش القرار التاني ويعدلك المزايا والعيوب مع انه ممكن في الواقع يكون القرار التاني احسن لي او الاتنين في نفس المستوي عادي لكن مخنا مش عايز يخلينا في صراع نفسي واحساس بالذنب والندم وكأنه جهاز مناعي نفسي بيحاول يحميك من تأثيرات سلبية كتير ممكن تحصلك فيقرر انه يعدل ذكرياتك بحيث يبين انه القرار التاني كان سئ وانه القرار الحالي اللي اتخذته كان انسب قرار . ده غير ان عدم الحيادية في ذاكرتنا واصل لأبعد الحدود لدرجة بيخلينا نفتكر كلامنا وكلام الناس اللي شبهنا ومن عرقنا وديننا اكتر من الناس المختلفة عننا ، كمان دماغنا بيعمل حاجة لطيفة جدا وهو انه بيمحي المشاعر السلبية المرتبطة بالذكريات السيئة ، ممكن الذكري نفسها تفضل موجودة بس اثرها السلبي غالباً بيمُحي علي عكس الذكريات السعيدة اللي اثرها الإيجابي بيفضل موجود . بس مش معني ان دماغك بيعدل في ذكرياتك انه بيخلق ذكريات جديدة او انه بيعمل واقع مختلف عن اللي انت عيشته يعني مثلا ممكن تفتكر انك كنت مجتهد في دراستك اكتر مما كنت عليه فعلا بس مش هتفتكر انك طلعت الأول وده في الحقيقة محصلش مثلا !
كل التعديلات دي هدفها هو انك تكتسب ثقة في نفسك وتحس بقيمة نفسك واهميتها لأنه الإنسان اللي معندوش ثقة في قرراته وحاسس بانه مالوش اهمية هيعرف يتعايش ويتخذ قررات مصيرية ازاي ؟
الخلاصة من كل ده مش انه متثقش في دماغك وذكرياتك لأنه التعديل مش بيبقي كبير بالدرجة اللي تغير حقايق بس المهم انك تفتكر كويس انك مش بتشوف العالم كما هو عليه ولكن بتشوف العالم و الناس حواليك من نظرتك الخاصة و تجاربك أنت ومعتقداتك ومبادئك وانك لازم تعرف أنه مش كل الناس اللي اختلفت معاهم سيئين بالضرورة ممكن بس متفقتوش او ان كل المجالات اللي قررت متدرسهاش مجالات سيئة ممكن بس مش مناسبة ليك او ان كل النقاشات والجدالات اللي دخلتها في حياتك كنت انت الطرف الصح فيها لانه مش لازم كل الناس تبقي شبهك ومش لازم تكون انت الطرف المضحي المريح المظلوم في كل علاقاتك ممكن تكون متعب في نواحي كتير انت مش مدركها .


اكتب تعليقًا